لماذا تعجل الحكومات في انهيار اقتصاداتها ؟

بقلم: د.كمال اللبواني

التحولات الحتمية في بنية النظام الرأسمالي

تتخذ الحكومات عن وعي وإدراك  الإجراء تلو الإجراء الذي يسرع انهيار اقتصادها وافلاس شركاتها،مستغلة ضباب هيستريا وباء كورونا ، وهذا ليس حماقة ولا انتحار ذاتي تقوم به حكومات الدول الأغنى ، إنه عمل مقصود وإرادي تقوم به مستغلة الحدث الطارئ لتبرير تغييرات سياسية اقتصادية كبيرة أصبحت منذ زمن هي المخرج الوحيد لها من أزماتها الاقتصادية البنيوية الخانقة المتراكمة منذ عقود ، من دون حل أو حتى أمل في حل بالطرق والعلاجات المعتادة التي أصبحت عاجزة عن مجرد وقف تدهور الحالة،

نعم جاءتها الفرصة التي لن تفوتها ، لذلك هي تساهم في تصنيع ومفاقمة وترويج الهلع من كورونا ، وتبالغ في اتخاذ إجراءات الإغلاق والتعطيل بالرغم من عدم جدواها الطبي ، وبالرغم من نتائجها الاقتصادية الوخيمة على شركات الانتاج الحقيقي ، لتحضير الشعوب نفسيا وعقليا لتمرير تلك التغييرات التي ستغير كثيرا في حياتهم ، فالعالم بعد كورونا لن يكون كما قبلها .

فجأة صارت الحكومات قادرة على تقديم المساعدات السخية بالرغم من عجزها ودينها المتراكم ، ببساطة عبر اعتماد سياسات تضخمية غير مسبوقة لم يلحظها الشعب المنشغل بخوفه ، و بدلا من انفجار الأزمات في وجه الحكومات هذا العام تلقائيا كما كان متوقعا ، جاء الوباء لينقذها من تحمل مسؤولية وتبعات تللك الأزمات سياسيا ، لتستخدم كورونا كشماعة تحمّل عليها مسؤولية الانهيار (الطارئ) ، وليس البنيوي القديم المستور بالتضخم ، لتبرر أمام شعوبها المنشغلة بالخوف الهستيري إجراءات لم يكن بإمكانها اتخاذها من دونه ، لكنها ستصبح دائمة بالرغم من زوال الوباء .

سبب هذه الأزمات الخانقة ليس قلة الانتاج ولا ضعف القدرات ولا زيادة الاستهلاك ، السبب يكمن في بنية النظام الرأسمالي ذاته ، فالعالم اليوم في أوج تقدمهالعلمي والتكنولوجي ، انتاجية العامل تضاعفت مئة ضعف عما كانت عليه قبل قرن … بسبب الآلات والتكنولوجيا ، ومع ذلك تعاني الدول الأغنى في العالم من عجز ودين يفوق ناتجها القومي وكذلك الدول الفقيرة أيضا …

وهذا أمر محير فعلا ، لأن الطبيعي أن  يكون هناك دائن ومديون ، لكن هنا الكل مديون فكيف يكون الكل مديون ، لمن هذا الدين ؟ ، وكيف تكون الدول الغنية مديونة( كيف غني وكيف مديون معا  )، ولماذا يسمونه دين ؟ ولا يسمونه باسمه الحقيقي وهو العيب البنيوي التضخمي والاقتصاد الفقاعي الذي أصبح صفة الرأسمالية المعولمة المعاصرة .

الحكومات وجدت نفسها وبشكل متزايد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية مجبرة على تمويل موازاناتها بالعجز ، و تغطية العجز بالدين ، والدين بالتضخم ، أي أنها وجدت نفسها مجبرة على سياسات تضخمية مستمرة ، لكي تستمر عجلة الاقتصاد بالدوران ، فكلما زاد التضخم ازدهر الاقتصاد وبالعكس ، في العادة المديون يقتصد في الاستهلاك ويتقشف لكي يسدد دينه ، لكن مشكلة اقتصاد هذه الدول أنه لا يفيد فيه التقشف وابطاء الاستهلاك ، وما ينعشه ويحافظ على حركته هو المزيد من الاستهلاك ، أي أنها دخلت في حلقة مفرغة معيبة لا يمكنها الخروج منها ، وهكذا تابعت في اتخاذ سياسات ترقيعية غير فعالة مدة عقود حتى وصلت لطريق مسدود يحتم عليها اتخاذ إصلاحات جذرية و تغييرات بنيوية في نمط اقتصادها الرأسمالي ، أهمها على الإطلاق هو تقييد وتقليص دور السوق الحر في تحديد الأسعار والأجور، وفقا للعرض والطلب الحر .

بعد أن توسعت الرأسمالية وتوحدتعلى مستوى معولم ، سوف تدخل السياسة كشريك دائم وبحصص متزايدة في القرار ، عبر تدخل الدولة الفاعل وتقليص الحريات الاقتصادية والسياسية ، أي أن البرامج الحكومية والتخطيط سيحل شريكا متزايد الحصة لآلية السوق الحر ، منتقلة من الاقتصاد الرأسمالي ( الحر ) القائم على الليبرالية  للإقتصاد الإقطاعي ( المخطط ) القائم على الشمولية .

لم نسميه اقتصاد إشتراكي ، لأن الملكية الخاصة ستستمر ، ولأن النظام الإشتراكي عمليا كان مجرد نظام إقطاعي فيه مالك واحد ، ولم يكن الشعب يملك أي شيء في الاقتصاد أو السياسة ، مجرد عبيد للاقطاعي الحاكم باسم الحزب القائد ،  ما الذي تغير حتى وصلت الرأسمالية الآن إلى هذه العتبة الانتقالية التي توجب عليها العودة للنظام الشمولي الاقطاعي بعد أن تغنت طويلا بالديموقراطية والليبرالية :

من دون فهم البنية الحقيقية لنمط الانتاج الرأسمالي لا يمكننا معرفة العلة والسبب :  عملية الانتاج الرأسمالي لا تبدأ من الحاجات ، بل تبدأ من المال الراغب في تحقيق الربح والتراكم ، عمليات الانتاج تلبي تلك الحاجات في النهاية ، لكن هدفها في النظام الرأسمالي هو الربح ومن دونه لا تعمل . وقد يحصل هذا الربح عن طريق تلبية الحاجات والانتاج الحقيقي أو عن طرق أخرى لا تقدم شيء للمجتمع ، كالمضاربات ، والإقتصاد الريعي والقيمي .

حلقة الانتاج الرأسمالية ( يمثلها نموذج البزنس مان ) تبدأ من النقد المودع في المصرف الذي يستثمر في الانتاج ويصرف على ( مواد أولية أدواتإنتاج يدعاملة ) ثم ينتج البضاعة التي تدخل سوق الاستهلاك كسلع ، وتباع بنقد أكبر من النقد المستثمر في البداية، أي تبدأ من رأسمال ، وفي نهايتها تحصل على (رأس المال + الربح ) ، ولنفترض أن العالم كله رأسمالي واحد ومنتج واحد فهذا يعني أن صاحب العمل لا يمكنه أن يربح إلا إذا كان هناك من يشتري منه ولا يعمل عنده ، وإلا من أين سيأتي بالنقد الزائد في نهاية الدورة الرأسمالية ؟

هناك أسئلة عادة تطرح :  هل المال هو الذي ربح وأنتج أم قوة العمل بما فيها الإدارة ؟ من خلق القيمة المضافة وهي من حق من ( رأس المال ، أم العمال ؟ ) عملية الانتاج الرأسمالي تقول أن العمال يبيعون قوة عملهم في السوق الحر ،وأنهم لا يستعبدون أحد بل يطالبون بحرية الجميع ، لذلك فهم من يستحق فضل القيمة ذاك عندما يكون التنافس حرا والسوق حرا والعمل حر ، والأقوى والأكثر كفاءة والأجود والأرخص كلفة يفوز في هذا التنافس الشريف . أي أن المال هو صاحب الحق في الربح ، والعامل صاحب الحق في بيع قوة عمله ، وهو الذي سيفقد عمله ودخله من دون الرأسمالي ، لذلك يودع الناس أموالهم في البنوك التي تقرضها للمستثمرين ، الذين يحققون ربحا ويدفعون فوائدها للبنوك التي تدفع للمودعين حصتهم . لكن ضمن تلك الصورة الجميلة للرأسمالية هناك عيوب تراكمت تأثيراتها حتى وصلت اليوم لطريق مسدود حيث تحول النقد لسرطان يأكل الاقتصاد ؟

أصل النقد هو العملة التي كانت معادن نادرة ثمينة ذات قيمة يسهل حملها وتداولها بدلا من تقايض السلع ، فهي تمثل القيم ، لكنه تطور ولم يعد سلعة ذات قيمة عالية ، بل حمل طابعا معنويا ، وصار هناك عملات برونزية ونحاسية لكنها تحمل ضمانات قيمة من السلطان أو الملك الذي يطبع صورته عليها ، استمر ذلك حتى الثورة الأمريكية التي ابتدعت الدولار الورقي ( فالدولار بالأصل ذهبي ، لكن الثورة في وجه بريطانيا مولت نفسها بطبع شيك بدلا عنه بضمانة المصرف الفرنسي وهو الدولار الورقي ) وقلدتها بقية الدول ، وصارت تطبع عملات بقيمة ما تحتفظ به من ذهب في مصارفها المركزية بحيث لو طلب كل حاملي الورق استبدال سنداتهم ، فالمصارف قادرة على اعطاءهم ذهبهم الذي يملكونه بذلك السند ، ( رصيد  العملات )

ومع أن سعر الذهب خاضع للعرض والطلب أيضا ، لكنه بقي القيمة المعيارية الثابتة عبر التاريخ وهو ما يحدد قيمة العملات . لكن في عهد الرئيس الأمريكي نيكسون  1971 ، قرر فك ارتباط الدولار بالذهب ، ولم تعد الحكومات مضطرة لإيداع رصيد في بنوكها المركزية مقابل ما تصدره من سندات ، فضمان قيمة العملة أصبح اقتصاد هذه الدول ، وهكذا وبالرغم من تزايد انتاج الذهب وتراجع قيمته النسبية ، فإن قيمة الدولار قد تراجعت كثيرا عن قيمته أمام الذهب قبل فك ارتباطه . وهو ما يسمونه التضخم النقدي . الذي هو أصل المشكلة التي سنشرحها .

 

لتبسيط بنية علاقة الانتاج الرأسمالية سوف نعتبر أن  كل الكتلة النقدية دخلت الاستثمار ، واشترت المواد الأولية واليد العاملة وأدوات الانتاج ، وقامت بعملية الانتاج ، ودفعت بضاعتها لسوق الاستهلاك ، وبيعت كلها بكامل الكتلة النقدية المتوفرة فهذا لا يحقق الربح، فلكي يربح المستثمر يجب أن يبيع بمبلغ أكبر من المبلغ الذي استلفه ، فقيمة البضاعة دوما يجب أن تكون أعلى من مبلغ الاستثمار ، إذن لتحقيق الربح والتراكم الرأسمالي لا بد من وجود تسويق خارج حلقة الانتاج الرأسمالي ، لكن هذا التراكم المتحقق على حساب استنزاف الخارج ، يعطي للدائرة الرزسمالية صفة التوسع وهضم باقي عمليات الانتاج غير الرأسمالية كالانتاج الاقطاعي مثلا ورسمتله بالتدريج ، (مرحلة الصراع مع الإقطاع وقيام الدول القومية ) القرن الثامن عشر ، وهكذا تتوسع الحلقة تلقائيا ، لتشمل كامل السوق الوطنية ، عندها تصبح ميالة للتوسع خارجها وهي المرحلة الكولونيالية ( الاستعمارية) مرحلة القرن التاسع عشر ،  ثم تصبح الرأسمالية مضطرة بهدف الاستمرار في الربح لنقل عمليات الاستثمار والانتاج للخارج ، وهذه المرحلة سموها الإمبريالية حيث ظهرت الشركات المتعددة الجنسيات والتروستات الكبرى عبر العالم مع بداية القرن العشرين  ،

في حال السوق الرأسمالية المغلقة الغير قادرة على التوسع الأفقي ، فإنها تختنق ولا تحقق الربح فيظهر ذلك على شكل كساد بضاعي ، لأن الكتلة النقدية في السوق أقل من ثمن البضاعة ، فيتعطل الانتاج ، وتسمى هذه بفترات الركود التي كانت تحدث دوريا في القرن العشرين قبل أن يقترح كينز اعتماد سياسة تضخمية ثابتة بمعدلات سنوية لا تقل عن 3% لضخ كتلة نقدية إضافية للسوق باستمرار تغطي كتلة الأرباح وتمكن عجلة الاقتصاد من الاستمرار في الدوران ، أي أن رصيد العملة لم يعد الذهب بل الاقتصاد ، وهو سينهار إذا لم تنمو العملة ذاتها ، هنا أصبحت العملة أو لنقل النقد ( الذي يشمل العملة وكل سندات القيمة الأخرى ) هو الأساس بينما السلع تابعة له ، انقلبت العلاقة ، وأصبح تضخم النقد هو عنوان التقدم والازدهار الاقتصادي وبشكل مستقل عن الاقتصاد الحقيقي ، وهنا بدأت المشكلة بالتفاقم ودخلت في نفق مسدود . وهو ما سيسمى بالاقتصاد الفقاعي ، اقتصاد القيم من دون رصيد تمثله ، أو ما يسمى بالإقتصاد الربوي المحرم في الإسلام.

 

 

 

أما الإزدهار والانتعاش فيظهر على شكل زيادة الطلب وزيادة الانتاج ومعه الربح وهو مرتبط غالبا بمقدار ميل الميزان التجاري مع خارج الحلقة  للربح ، أو بسياسات تضخمية أعلى تسمح بتنشيط الاستهلاك ،

ومع تعمم الرأسمالية في كل العالم وتحول معظم الاقتصادات الكبرى لنمط الانتاج الرأسمالي ، صارت المنافسة كبيرة وفقدت الرأسمالية قدرتها على التوسع ، وهذا ظهر جليا بعد سقوط المنظومة السوفيتية الاشتراكية ، وتحول الصين نحو الرأسمالية ، وطغيان الاستثمار الرأسمالي على اقتصادات دول العالم الثالث ، وقد استفحلت هذه الأزمة مع بداية القرن الحادي والعشرين .

فصارت الدول مضطرة لاعتماد سياسات تضخمية متصاعدة ومتراكمة ، اخترعت السوق الأمريكية فكرة السندات بدل طبع كتل نقدية ، وصارت السندات ( سندات الدين ) رديفا للنقد ، فالربح يتحقق عبر امتلاك هذه السندات وتداولها ، من دون المرور بحلقة الانتاج إطلاقا ، والتي لا تغطيها بضاعة في سوق الاستهلاك ، وحتى الرهونات والديون والضمانات والحجوزات صارت تباع وتشرى في سوق الأسهم  والعملات ( البورصات ) وكأنها بضاعة وتبارت الدول والبنوك في ابداع سندات الدين هذه ، والتي صارت حقل استثمار خاص لا يمر عبر عمليات الانتاج اطلاقا ، وتضخم هذا السوق الاستثماري وتضخمت الأرباح والقيم الوهمية حتى وصلت ما يقارب عشرة أضعاف قيم البضائع الاستهلاكية الحقيقية حاليا ، حدث نموها السريع بسبب ريعيتها الأعلى وسرعة دورة رأس المال فيها ، وخلقت فجوة كبيرة بين الدول الغنية والفقيرة التي هي أيضا تعاني من تضخم مروع .

وخلقت شعورا كاذبا بالإزدهار والغنى سرعان ما بدأ يتكشف عن خلل كبير في بنية الاقتصاد يهدده بالإنهيار ومن الصعب إصلاحه من دون إعادة بناء الاقتصاد على أسس أخرى لا تشبه دورة الانتاج الرأسمالي الكلاسيكي التي نعرفها والتي اعتمدت على حرية الأسواق ( الاستثمارية والاستهلاكية ) وتحرير التجارة والتنقل بين الأسواق للسلع واليد العاملة ، والتي ازدهرت بسرعة بمفعول العولمة التي دفعت بها .

حتى صارت اقتصادات الدول كلها متساندة مع بعضها البعض ، وتعممت الأزمة ودخل العالم في كساد تضخمي ترتفع فيه الأسعار بالتزامن مع كساد السلع ، وتدني فرص العمل . وابتلع الاقتصاد الفقاعي معظم هامش الربح من الاقتصاد الحقيقي الذي صار بحاجة لنظم حماية ورعاية ودعم من الحكومات ليستمر بالعمل . وعجزت الحكومات في الدول الغنية عن الاستمرار في تحمل مسؤولياتها في مجتمعات الرفاهية ، وصار لابد من الكشف عن الحقيقة ، والاعتراف بالإفلاس .

 

فحلقة الانتاج الرأسمالي هي نقد – بضاعة- نقد  (ن١ —> بضاعة—> ن٢)  بشرط [ ن٢ > من ن١]  ليتحقق الربح ، أي في نهاية دورة الانتاج لا بد من تضخم نقدي ، وهذا ما بسطه ماركس في كتابه الشهير رأس المال ، شعرت الرأسمالية العالمية اليوم وفي كل العالم بالاختناق لعجزها عن التوسع الأفقي ، وتراكم تأثير نمو الاقتصاد الفقاعي على الاقتصاد الحقيقي الذي يعاني أيضا من أزمات عميقةوكله بسبب اضطرار الرأسمالية للتوسع العامودي التضخمي  …

فالأصل في النقد أن يمثل القيم في السوق ، وعندما تعطي العامل أجره فهو يذهب ويستبدل نقوده بالسلع ، فلو فرضنا أن كل العمال اليوم ذهبوا ليستبدلوا كل مالهم لحصلوا فقط على ١٠٪ من  قيمة راتبهم فقط كسلع ، جاءت هذه القيم الوهمية من احتساب قيم سندية كسلع ، أصبح السند سلعة ، والرهن سلعة والدين سلعة تباع وتشترى ، وأصبحت الدول غير مضطرة لطبع عملات جديدة فقط ، بل تبيع سندات دين، أي تستبدل العملة التي هي سند أصلا بسند قيمة جديد لكنه يعطي نسبة ربح ، لكنها عمليا هي أقل من التضخم الذي تسارع ليسبقها ، أي هي عملات لاتخسر من قيمتها الشرائية بذات نسبة خسارة العملات العادية بفعل التضخم السنوي المتسارع ، وكل ذلك يدخل السوق كقيم متداولة ،  هذه الكذبة التضخمية التي تطورت تلقائيا وحتميا وغطت فترة الإزدهار الكاذب الذي ترافق بنماذخ استهلاك مفرط ، لم تعد قادرة على الاستمرار ، لأن الإقتصاد الحقيقي ذاته أصبح مهددا وغير قادر على الاستمرار ، نتيجة تحول معظم فرص العمل لصالح الاقتصاد الفقاعي والغير انتاجي، وهنا أصبحت الصين والدول المتخلفة هي المعنية بالاقتصاد الحقيقي ، بينما أصبحت الدول الغنية تعيش فوق فقاعة اقتصادية ينتظر أن تنهار تحتها .

جربت بعض الدول العظمى أن تصعد على حساب تدمير غيرها ، لكنها اكتشفت اعتمادية الاقتصادات المختلفة على بعضها ، فانهيار أو فشل اقتصاد دولة سيضرب بقية الدول ، تماما كما حصل مع السياسات التقشفية التي أدت لتراجع الانتاج القومي كله بذات النسبة فلم تحقق أي نتيجة مرجوة بسبب انخفاض الطلب ،  وهكذا بردت شهيتها للحرب التجارية  و بدأت تفكر بحلول أخرى ، كان متوقعا لعام ٢٠٢٠ أن يكون   عام ركود وتضخم كبير وانهيارات اقتصادية أكبر في صعيد الاقتصاد الفقاعي والحقيقي في معظم العالم والتي ستصب في النهاية لصالح البلدان المتخلفة ، فالبناء الوهمي الضخم التضخمي أصبح مهددا في الانهيار لو حدث أي خلل في التوازن الهش داخله ، الكثير من شركاته وتروستاته بدأتتعاني من ضيق يهددها بالإفلاس والتوقف ، لكن وباء كورونا سرع القصة ، فسارعت الحكومات لاتخاذ تدابير الحجز والتباعد الاجتماعي ، والتي أدت لافلاس الكثير من الشركات وشل الاقتصاد، الذي تعالجه أيضا بالتضخم ، الذي سيتضاعف هذا العام ، ١٠٠٪

وهذا ما ستستغله الحكومات على أمل القيام بعملية اعادة هيكلة نظمها على قيم ووسائل جديدة مختلفة عن المرحلة الرأسمالية السابقة ( الإمبريالية ) متراجعة عن ليبراليتها ومتجهة نحو المزيد من الشمولية لتتشابه أكثر فأكثر مع الدول التي انتقلت من الشيوعية للرأسمالية المقيدة ، وبدل أن تصبح روسيا والصين والكثير من دول العالم ليبرالية وديموقراطية ، تتخلى الديمقراطية الغربية عن عناصرها وتقترب من الشمولية خاصة في الاقتصاد ، تتجه الحكومات للسيطرة أكثر فأكثر على الاقتصاد ، وتستبدل قانون العرض والطلب الحر الذي يحدد السعر والأجر والقيمة ، بالسياسات الحكومية الخاضعة أكثر فأكثر لمصالح طغم مالية تتشارك المصالح مع طغم مالية مافيوية نشأت أيضا في الدول الإشتراكية ( سابقا) ،

الحكومات تخطط كي تسيطر الدولة أكثر فأكثر على الاقتصاد وليصبح التخطيط السياسي محددا للنشاط الاقتصادي ، وعدم تركه ليحدده رغبة الربح والتنافس الحر بين المستثمرين ، وستفرض قيودا أشد على حركة المال ( إلغاء الكاش ) ، ورقابة صارمة على الدخول وترفع نسبة الضرائب ( الدخل والاستهلاك ) ، وعلى استيراد السلع وحرية التنافس ، بسياسات احتكارية وحمائية جمركية ، وبشكل خاص ستستغل افلاسات الشركات لفرض قيود جديدة عليها تمنعها من الفرار نحو الجنات الضريبية ، وستتقلص الحريات الفردية بما فيها الاقتصادية ، وتنتهك أكثر فأكثر الخصوصيات … أي باختصار ستصبح السياسة وليس الدافع للربح هي المتحكمة في دورة الانتاج وتوزيع الدخول ، وتتقلص فرص الانتقال بين الطبقات ، وتتحول الرأسمالية من اقتصاد تنافسي حر ، لاقتصاد ريعي احتكاري محروس من قبل السلطات والسياسات التي ستحدد  حجم ونوعية الاستهلاك ونسب توزيع الأجور والرفاهية ، بطريقة تشبه نظام الحزب الواحد في النظم الاشتراكية .

وما يجري تحت ضباب المبالغة في هول كرورونا هو تحضير المجتمعات للقبول بمثل تلك التغييرات نحو الشمولية وتقييد آليات التنافس الحر التي قامت عليها الرأسمالية ، والتي ستستبدل تدريجيا وبنسب مختلفة بسياسات وضوابط تحددها الحكومات ، التي تعبر عنتحالف ظغم مالية كبرى ، لذلك قلنا أن هناك مصلحة للسياسيين في إفلاس بلدانهم وإرعاب شعوبهم والمبالغة بحجم الخطر الوبائي وحجم الكارثة التي يتسبب بها ، للتغطية على السبب الحقيقي ، وتبرير تغييرات استثنائية ستصبح مستمرة ودائمة ولا يمكن التراجع عنها ، لأنها بالأصل لا تقوم على ظرف طارئ تسبب به الوباء ، يزول بزواله ، بل تلبي متطلبات وحاجات بنيوية  قديمة ومستفحلةلم يعد من الممكن تغطيتها …

في القادم القريب ستكون الشعوب وبشكل متزايد تحت تسلط طغم مالية سياسية ( مجتمع ١٪ ) وستتقيد حرياتها وتنتهك حقوقها وستكون أكثر فقرا وأقل سعادة ، وستخوض صراعا طبقيا كبيرا وواسعا ضد هذه الطغم لتقييدها ووضعها تحت سلطة المجتمع ، تصبح السياسة هي العامل الأساس مع استمرار السوق كمحدد شكلي  وتجميلي ، لذلك فإن الحفاظ على الديموقراطية السياسية وحقوق الانسان واحترام خصوصيته هي انجازات لا يجوز التراجع عنها عند حدوث تغييرات اقتصادية قد أصبحت حتمية ، هذا ما يجب أن ننتبه له و ننضال من أجله ، في الوقت الذي يشغلونا به بالخوف من كورونا …

 

لكن ما ستقوم به الحكومات لا يعدوا عن كونه اجراءات ترقيعية غير كافية لحل المشكلة ، فنظام نصف رأسمالي نصف اقطاعي لا يستطيع العيش طويلا ، وفي النهاية لا بد من حسم المبدأ الذي يقوم عليه  هل هو سعي رأس المال للربح عبر التنافس الحر ، (الرأسمالي ) أم دراسة الحاجات والتخطيط لتلبيتها ( الإقطاعي ) . تعايش الإثنين سيبرر تفاوت طبقي كبير ونماذج استهلاك متباينة ، وخدمات متفاوتة ، محروسة بقوة وسلطة الدولة ، وهذا سيعني نهاية الديموقراطية واستلاب الدولة لصالح الطغم المالية وفقدانها لإخلاصها للشعب .

فالتناقض الأساسي سيصبح بين الشعب والدولة التي تسيرها طغم مالية ، والذي سيحسم هذا الصراع في النهاية هو رؤية أيديولوجية جديدة ، تلغي الاقتصاد الفقاعي الربوي المحرم في الإسلام ، وتحصر النشاط في الاقتصاد الحقيقي ، وتترك هامش تنافسي يحفز المبادرات مع رقابة حقيقية من الدولة على أخلاقيات المبادلات وتنفيذ العهود وعدم الغش والاحتكار والاستغلال … هل ستتنصر البنوك ونخبها ، أم الشارع … برأيي الخيار محسوم ، الشعب سيسقط البنوك ،

وسيكون هناك اقتصاد حر جديد رأسمالي لكنه غير توسعي، المستثمر يشبه العامل يحصل على أجر كغيره عن إدارته ، لكن رأس المال لا يشترط به النمو لتستمر عملية الانتاج وهذه بالضبط صفات الاقتصاد الإسلامي ، يحركه الربح المحدود الذي يصرف بالاستهلاك أيضا 0 الاقتصاد الحر غير الربوي ) الغير مشروط بالتوسع ، لكونه لا يبدأ برأس المال الذي يجب زيادته ، بل بحاجات السوق التي يجب تلبيتها ، المال يبقى وسيلة تبادل ، ولا يصبح صاحب فضل في زيادة القيمة ، وفرق الدخول يرتبط ليس بحجم رأس المال الموظف بل بفعالية عمليات الانتاج وجودته ورخص تكلفته .

التراجع عن آليات التنافس الحر وآليات تنظيم السوق ، والحريات سيكون انحطاطا وتدهورا في الحضارة ، لكن هذا التنافس يجب أن لا يعتمد على قوة رأس المال ، بل على فعالية الانتاج وجودته ، فالمال لا ينتج المال ( ربا ) ، المال وسيلة تداول للقيم ، التنافس على الثروة يجب أن يمر عبر التنافس على الجودة ، وهذا دور السياسة في تحديد آليات التنافس الحر وشروطه بما يخدم المجتمع ، لا أن تكون أداة طغمة أو طبقة لاستغلال طبقة . بتحريم الربا والفائدة من المال ، ينتهي الاقتصاد الفقاعي وتصبح الرأسمالية نظاما حرا لكنه من دون أمراض قاتلة .

 

ليفانت – د . كمال اللبواني

اترك رد