الألم الإنساني والتأزم الاجتماعي

المهندس باسل كويفي

اختلف علماء الاجتماع حول وضع تعريف محدد للنظم الاجتماعية، حيث يرى (بارنز) أن النظم الاجتماعية تمثل البناء الاجتماعي والآلة التي تنظم المجتمع الإنساني وتوجه وتنفذ وجوه النشاط المتعددة التي يتطلبها تحقيق الحاجات الإنسانية.

أما (سِنمر ) فيري أن النظام الاجتماعي يتكون من فكر وبناء، والفكر قد تكون رأياً أو خاطراً أو مبدأ أو اهتماماً معيناً، أما البناء فهو الأساس أو الجهاز الذي يساند الفكرة ويزودها بالوسائل التي يمكن أن تتجه بها إلى عالم الحقائق والأفعال بطريقة تخدم مصالح الإنسانية عامة، ويتميز النظام الاجتماعي بدرجة نسبية من الاستمرار والدوام، فأنساق العقائد وطرق العمل وغيرها لا تصبح نظاماً إلا بعد أن تصل إلى مرحلة القبول بصفة عامة خلال فترة مناسبة من الزمن، ويمكننا أن نقرر على هذا الأساس أن أي نظام لابد أن يكون قد مر قبل إقراره بفترة زمنية معينة يمكن اعتبارها فترة تمرين وتعويد على ممارسة النظام، وقد يستمر النظام قروناً طويلة كما هو الحال بالنسبة للنظم الدينية والزواج والملكية، وقد يندثر بعد فترة من الزمن، كما اندثر نظام الإقطاع الذي كان سائداً في أوروبا في القرون الوسطى… يتميز أي نظام اجتماعي بأن له هدفاً أو عدداً من الأهداف الواضحة، إلا أن هذا الهدف كثير ما يتعارض بمرور الزمن مع الوظيفة التي يؤديها النظام .

كما تتميز النظم الاجتماعية بجمودها نتيجة لما تتميز به من استقرار ودوام لفترة طويلة من الزمن حتى لا تكاد في بعض الأحيان أن تتحول إلى ما يشبه الطقوس، ولهذا الجمود أثره فيما تتميز به النظم الاجتماعية من صعوبة التغير ، حتى إنها تقف دائماً عقبه أمام هذا التغير، سواء أكان يتجه بها إلى التقدم أم التطور.

تعتبر النظم الاجتماعية من عوامل التوافق بين الأجزاء المختلفة للحضارة ككل فهي تميل دائماً إلى التوحيد بين أجزاء النظام الاجتماعي الكلي وهي تتميز بذلك بأنها غير مستقلة عن بعضها، وإنما على العكس من ذلك فهي ترتبط ببعضها في نسق حضاري موحد. وذلك حين نجد أن كل نظام في النسق يميل إلى مساندة النظام الآخر. فالخطبة مثلاً تسبق الزواج وتسانده، وهذا بدوره يسبق الأسرة ويساندها (الحركة الانسانية المتصلة بكل إفرازاتها الحيوية) ، وبذلك نجد أن النظم الثلاثة ترتبط ببعضها وتعتمد على بعضها. علاوة على أننا نجد نظام الأسرة يرتيط بالنظم الاقتصادية السائدة في المجتمع رعوية كانت أو زراعية أو صناعية، والنظم الاجتماعية بذلك تتميز أنها تعمل في الوقت نفسه على الاستقرار الاجتماعي في المجتمع .

النظم الاجتماعية بأشكالها وأهميتها:

النظام الأسري: وهي جماعة اجتماعية تتميز بمكان إقامة مشترك وتعاون اقتصادي، ووظيفة تكاثرية، ويوجد بين اثنين من أعضائها على الأقل علاقة جنسية يعترف بها المجتمع، وتتكون الأسرة على الأقل من ذكر بالغ وأنثى بالغة وطفل.. وترتبط عدا المعيشة تحت سقف واحد لأدوار محددة [دور الزوجة والأب والأم والابن] ، قيام الأسرة بالمحافظة على نمط ثقافي مستمد من النمط الثقافي العام ومحاولتها تجديد هذا النمط الثقافي، كما تعكس الأسرة على المجتمع صفاتها وتمنح أفرادها الاسم والجنسية والديانة ومحل الإقامة والوحدة الاقتصادية المتضامنة ضمن بيئة ومنشأ لا تحددها باختيارها في معظم الأحيان بل نسبة الى مكان الميلاد وعاداته ..

النظام القبلي: ويستمد خصائصه بالغالب من العادات والتقاليد السائدة والمنقولة عبر التاريخ، وغالباً التغيير في موروثها يشكل صعوبة كبيرة.

النظام الحضري: بشكل عام هو قابل للتغيير وفق الحداثة وضرورات الحياة والتأقلم مع الواقع المحلي والاستفادة من تجارب الشعوب للنهوض الاجتماعي – الاقتصادي الذي يرفع من رفاهية الإنسان.

النظام الديني: ويعتمد اعتماداً كلياً على الشريعة التي يتبناها، وبالتالي فهناك صعوبة كبيرة في تعديل أي من مبادئه إلا إذا استندت على نصوص شرعية قد تكون في بعضها مسيسة لخدمة الحاكم أو كهنة المعبد ( النظام الفرعوني )، كما إن هذا النوع من النظام الاجتماعي إفرز العديد من المذاهب والطوائف في جميع الأديان وأدت إلى انقسامات شاقولية في المجتمعات .

المعالجات وآليات ومساحات العمل:

تبين الاستنتاجات المستخلصة من دراسات عديدة بأنّ آليات تضمين وإشراك المجتمع المدني يُمكن من خلق فرص جديدة لإشراك شريحة أوسع من المواطنين للوصول الى رؤى مشتركة وتحديد الأولويات والتأثير على برنامج بناء الدولة الوطنية الحديثة وبذلك تسهم هذه المشاركة في معالجة جذورالصراع والعوامل المحرّكة له للوصول الى آلية توافقية لحل النزاعات بكافة أوجهها.

أحد الأسئلة الجوهرية في بلدان المنطقة ( التي تشهد صراعات وتنشد التغيير ) يتمحور حول كيفية بناء نظام ديمقراطي تعدّدي في البلد والحفاظ عليه بحيث يتقبله كل المواطنين والمواطنات، من مختلف الخلفيّات، و يشعرون بالأمان ، بما يعزز الهوية الوطنية والانتماء في دولة المواطنة وسيادة القانون، وتبرز عندنا في هذه المناقشات وبشكل مباشر ضرورة دراسة تفصيلية عن القضاء ودوره الهام في تحقيق الأمن والأمان المجتمعي على ان يكون مستقل ويتمتع بالنزاهة والعدالة، مع ما يتطلب ذلك إعادة تأهيل هذه المؤسسة وفق ثقافة جديدة تتجاوز الترهل السابق وليصبح جميع أفراد المجتمع متساوون تحت سقف القانون ويتيح ذلك مكافحة الفساد بشتى وسائله وأساليبه.

يجب إدراج وإشراك المجتمع المدني و تصميم مساره وتفويضه رسميّاً في عملية صنع السلام والحفاظ على السلم الأهلي وتعزيزه مع إعطاءه صفة الاستقلالية والرقابة على الآداء العام وتقييم المراحل التي من شأنها الوصول إلى الغايات المرجوة.

إن بنود الوثيقة التالية ( أُعدت خلال اجتماع بابا الفاتيكان مع شيخ الأزهر في الإمارات العام الماضي تصلح برأينا كوثيقة يمكن الحوار حولها والاستفادة منها )، والتي تعتمد كل ما سبقها من وثائق عالمية ، نبهت إلى أهمية دور الأديان فى بناء السلام العالمي، وإنها تؤكد الآتي:
– القناعة الراسخة بأن التعاليم الصحيحة للأديان تدعو إلى التمسك بقيم السلام وإعلاء قيم التعارف المتبادل والأخوة الإنسانية والعيش المشترك، وتكريس الحكمة والعدل والإحسان، وإيقاظ نزعة التدين لدى النشء والشباب، لحماية الأجيال الجديدة من سيطرة الفكر المادى، ومن خطر سياسات التربح الأعمى واللامبالاة القائمة على قانون القوة لا على قوة القانون.

أن الحرية حق لكل إنسان: اعتقاداً وفكراً وتعبيراً وممارسة، وأن التعددية والاختلاف فى الدين واللون والجنس والعرق واللغة حكمة لمشيئة إلهية، قد خلق الله البشر عليها، وجعلها أصلاً ثابتاً تتفرع عنه حقوق حرية الاعتقاد، وحرية الاختلاف، وتجريم إكراه الناس على دين بعينه أو ثقافة محددة، أو فرض أسلوب حضارى لا يقبله الآخر.

أن العدل القائم على الرحمة هو السبيل الواجب اتباعه للوصول إلى حياة كريمة، يحق لكل إنسان أن يحيا فى كنفه.

أن الحوار والتفاهم ونشر ثقافة التسامح وقبول الآخر والتعايش بين الناس، من شأنه أن يسهم فى احتواء كثير من المشكلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والبيئية التى تحاصر جزءاً كبيراً من البشر.

أن الحوار بين المؤمنين يعنى التلاقى فى المساحة الهائلة للقيم الروحية والإنسانية والاجتماعية المشتركة، واستثمار ذلك فى نشر الأخلاق والفضائل العليا التى تدعو إليها الأديان، وتجنب الجدل العقيم.

أن حماية دور العبادة، من معابد وكنائس ومساجد، واجب تكفله كل الأديان والقيم الإنسانية والمواثيق والأعراف الدولية، وكل محاولة للتعرض لدور العبادة، واستهدافها بالاعتداء أو التفجير أو التهديم، هى خروج صريح عن تعاليم الأديان، وانتهاك واضح للقوانين الدولية.

أن الإرهاب البغيض الذى يهدد أمن الناس، سواء فى الشرق أو الغرب، وفى الشمال والجنوب، ويلاحقهم بالفزع والرعب وترقب الأسوأ، ليس نتاجاً للدين – حتى وإن رفع الإرهابيون لافتاته ولبسوا شاراته – بل هو نتيجة لتراكمات الفهوم الخاطئة لنصوص الأديان وسياسات الجوع والفقر والظلم والبطش والتعالي؛ لذا يجب وقف دعم الحركات الإرهابية بالمال أو بالسلاح أو التخطيط أو التبرير، أو بتوفير الغطاء الإعلامى لها، واعتبار ذلك من الجرائم الدولية التى تهدد الأمن والسلم العالميين، ويجب إدانة ذلك التطرف بكل أشكاله وصوره.

أن مفهوم المواطنة يقوم على المساواة فى الواجبات والحقوق التى ينعم فى ظلالها الجميع بالعدل؛ لذا يجب العمل على ترسيخ مفهوم المواطنة الكاملة فى مجتمعاتنا، والتخلى عن الاستخدام الإقصائى لمصطلح «الأقليات» الذى يحمل فى طياته الإحساس بالعزلة والدونية، ويمهد لبذور الفتن والشقاق، ويصادر على استحقاقات وحقوق بعض المواطنين الدينية والمدنية، ويؤدى إلى ممارسة التمييز ضدهم.

إن العلاقة بين الشرق والغرب هى ضرورة قصوى لكليهما، لا يمكن الاستعاضة عنها أو تجاهلها، ليغتنى كلاهما من الحضارة الأخرى عبر التبادل وحوار الثقافات؛ فبإمكان الغرب أن يجد فى حضارة الشرق ما يعالج به بعض أمراضه الروحية والدينية التى نتجت عن طغيان الجانب المادي، كما بإمكان الشرق أن يجد فى حضارة الغرب كثيراً مما يساعد على انتشاله من حالات الضعف والفرقة والصراع والتراجع العلمى والتقنى والثقافي.

ومن المهم التأكيد على ضرورة الانتباه للفوارق الدينية والثقافية والتاريخية التى تدخل عنصرا أساسياً فى تكوين شخصية الإنسان الشرقي، وثقافته وحضارته، والتأكيد على أهمية العمل على ترسيخ الحقوق الإنسانية العامة المشتركة، بما يسهم فى ضمان حياة كريمة لجميع البشر فى الشرق والغرب بعيداً عن سياسة الكيل بمكيالين.

إن الاعتراف بحق المرأة فى التعليم والعمل وممارسة حقوقها السياسية هو ضرورة ملّحة، وكذلك وجوب العمل على تحريرها من الضغوط التاريخية والاجتماعية المنافية لثوابت عقيدتها وكرامتها، ويجب حمايتها أيضاً من الاستغلال الجنسى ومن معاملتها كسلعة أو كأداة للتمتع والتربح؛ لذا يجب وقف كل الممارسات اللاإنسانية والعادات المبتذلة لكرامة المرأة، والعمل على تعديل التشريعات التى تحول دون حصول النساء على كامل حقوقهن.

إن حقوق الأطفال الأساسية فى التنشئة الأسرية، والتغذية والتعليم والرعاية، واجب على الأسرة والمجتمع، وينبغى أن توفر وأن يدافع عنها، وألا يحرم منها أى طفل فى أى مكان، وأن تدان أية ممارسة تنال من كرامتهم أو تخل بحقوقهم، وكذلك ضرورة الانتباه إلى ما يتعرضون له من مخاطر – خاصة فى البيئة الرقمية – وتجريم المتاجرة بطفولتهم البريئة، أو انتهاكها بأى صورة من الصور.

إن حماية حقوق المسنين والضعفاء وذوى الاحتياجات الخاصة والمستضعفين ضرورة دينية ومجتمعية يجب العمل على توفيرها وحمايتها بتشريعات حازمة وبتطبيق المواثيق الدولية الخاصة بهم .

تطرقنا في وجهة النظر هذه إلى النظام الاجتماعي العام، وتأثير الأزمات على المجتمعات، لقد خلق الملتقى ( الملتقى الوطني الاقتصادي الاجتماعي، برعاية هيئة المصالحة الوطنية في سورية) إمكانية للتعبير عن مصالح واحتياجات وتفضيلات مجتمعات محلية مختلفة ويوفر مساحة لبناء التوافق بين مجموعات عابرة لحدود الصراع، من خلال الفرص التي يمكن توفيرها للتشبيك مع السوريين في الخارج ومع الجهات الحكومية والمنظمات ذات الصلة بنفس المواضيع، للمساهمة في تعميق الفهم حول العوامل المسبّبة للصراع وإيجاد الحلول عبر آليات فض النزاعات وتقريب وجهات النظر وكسر الأفكار المسبقة والصور النمطية حول الآخر والتخفيف من الغبن والأحقاد بآليات جبر الضرر.
وسنعمل في البحث القادم على زيادة المعرفة وطرح وجهة نظر حول السلم الأهلي والعقد الاجتماعي ودوره في إرساء الاستقرار وتطور المجتمع ودور النخب في تحقيق ذلك .
سورية للجميع … وفوق الجميع…
وإلى لقاء آخر …

اترك رد