مراجعة كتاب الهويِّاتُ القاتلةُ

لونا وطفة

يقول المؤرخ مارك بلوخ ” البشر هم أبناء عصرهم أكثر من آبائهم”، وإذ تثبت هذه المقولةُ صحّتها على الدوام، كان لابدَّ بالنسبة لنا -نحن أبناء عصر السرعة والعولمة والحروب والأعداد المتزايدة من اللاجئين حول العالم- أن تصبح الهوية والانتماء مسائلَ مُلحّةٍ تتطلب إدراكها. بيد أن “أكثر الكلمات شفافية غالباً ما يكون أكثرها خيانةً” كما يقول معلوف، ما يجعل مصطلح “الهوية” بالتحديد من أكثر الكلمات المضلِّلة، برغم اعتقادنا عكسَ ذلك.

لأجل ذلك حازَ كتابُ الكاتب والروائي أمين معلوف “الهويَّاتُ القاتلةُ” اهتمام كل الباحثين عن معنى هويتهم وانتمائهم، وهُم كُثُر. يصعب الاقتباس من هذا الكتاب ذي الفصول الخمسة – التي سأحاول استعراضها دون اختصار مجحفٍ أو إطالةٍ غير مستحبة- لكنه خطوة أولى ضرورية لنا؛ نحن الباحثين عن هويتنا.

لا يصنف كتاب الهويات القاتلة على أنه سيرة ذاتية للكاتب، ومع ذلك بدأ أمين في فصله الأول “هويَّتي، انتماءاتي” بسرد ذاتي يشرح للقارئ من خلاله معنى أن تكون “هذا وذاك” ، مؤكداً على دور تجربته الشخصية بولادة فكرة هذا الكتاب. فالسؤال “من أنت” مع رفض جواب “هذا وذاك”، يكشف رؤية بشرية واسعة لا تخلو من الخطورة، وهي فكرة الانتماء الواحد ذو الأهمية. الهويات المعقدة تؤدي في غالب الأحيان إلى تهميش أصحابها إذ لا أحد يعترف طوعاً بفكرة هوية معقدة. أما على صعيد الانتماءات المعقدة فإنها دائماً ما تنتهي بطغيان إحدى هذه الانتماءات على الأخريات. الاضطرار والإرغام على اختيار إحدى الهويات أو إحدى الانتماءات هو ما يصنع المجرمين، وبالتالي نحن من نقوم بصناعتهم عندما نرفض تعددية الهوية والانتماءات.

بقدر ما تبدو كلمة هوية بسيطة غير أنها معقدة بماهيتها. لكن، وبعيداً عن إعادة تحديد مفهوم الهوية ذي الطابع الفلسفي، يشرحها معلوف بقوله: “أن هويتي هي التي تعني أنني لا أشبه أي شخص آخر” حيث يرى أنه لا يوجد شخصان يحملان نفس الهوية، كما الحمض النووي، لكل فرد جيناتٌ خاصةٌ به، قد يشترك مع آخرين في بعضها ولكن ليس لدرجة التطابق التام. ثم يتحدث عن أنه في كل عصر هناك أشخاصٌ يعتبرون أن الانتماء السياسي يسمو على كل الانتماءات؛ الأمة مثلاً أو الدين أو العرق، لكن النزاعات التي قامت لأجل ذلك تؤكد تماماً أن لا انتماء يسمو بالمطلق، فعند الشعور بتهديد على الدين مثلاً يصبح هو الانتماء الأول حتى زوال هذا التهديد، مايعني بالضرورة أن الهوية شيء غير ثابت، بل متغيرٌ يتكون خلال فترة حياة الإنسان كاملة وليس خلال فترة معينة.

ينتقل بعدها معلوف للحديث عن كم العناصر المتباينة التي تجمعنا بالكثير من البشر وأهمها الدين واللغة منطلقاً من نفسه، سارداً شيئاً عن هويته بطريقة سماها “امتحان الهوية”. إننا نتشاطر مع كل البشر شيئاً من انتمائاتنا لكن لا أحد يشاطرنا كافة انتمائاتنا كأفراد، فميزات هويّة كل فرد أنها فريدة، معقدة، غير قابلة للاستبدال وغير متشابهة مع غيرها. إلا أننا عادة ما نتعامل مع هوية أفراد يتشاركون صفات معينة بالعمومية فنقول ” العرب قاموا بكذلك، السود فعلوا كذا.. الخ” ويحذّر معلوف من خطورة هذا الفعل لأننا نسجن الآخرين بنظرتنا داخل انتماءاتهم الضيقة ونصنف جميع البشر في خانة واحدة وهو ما قد ينتهي بسفك الدماء.

يضرب معلوف مثالاً بطفلٍ نأخذه من أهله وهو رضيع وكيف أن انتماءاته ستكون شيئاً آخر مختلف تماماً عن أهلهِ ليؤكد فكرة أن ما يحدد انتماء شخص إلى إحدى الجماعات هو تأثير الغير فينا. يقدم المثال سرداً تحليلياً للهوية وتكوينها، وأنها عبارة عن رسم على نسيج مشدود لا ينفصل عن بعضه، ولاينفي ذلك أنه انتماءات متعددة، ما يعني أنه في حال تهديد الانتماء ينزع الإنسان بطبيعته إلى التماهي مع أكثر انتماءاته عرضة للتجريح، وسواءً أعلن هذا التماهي أم لا، يبقى هو المسيطر على هويته، بل ويتضامن الإنسان حينها مع الأشخاص الذين يشاركونه الألم ذاته ليصبح “تأكيد الهوية” عملاً تحريرياً وفعلاً شجاعاً. ما يساهم في أن يتحول البعض بالنتيجة إلى قتلة ومجرمين، هو أن مفهوم الهوية السائد هو مفهوم قِبَلِي، وبالتالي سيتحول الأمر إلى نحن وهم دائماً ( نحن الذين على حق) و (هم الذين على باطل) وسيؤدي للحروب التي نراها دائما على مر التاريخ والمدفوعة بمبادئ الدفاع المشروع عن النفس والانسجام مع الجماعة والانتصار لها، لكن في الوقت ذاته لن نستطيع حينها أن ندرك متى ينتهي التأكيد المشروع للهوية وأين يبدأ انتهاك حقوق الآخرين! إن مجرد فهم الهوية المعقدة وتشاطري مع الآخرين أشياء كثيرة قد يكون عاملاً لتلاشي مبدأ (نحن وهم)، فقد أجد فيمن أحاربه أشياء مشتركة أكثر ممن هو في صفي. يؤكد هنا الكاتب على أهمية تلاشي الهوية العشائرية كمصطلح سائد لأن استمرارها سيسبب المزيد من المجازر، فنحن لا نستطيع أن نُخضع مليارات البشر للخيار بين تأكيد متطرف لهويتهم وبين فقدان كل الهوية، أي بين الأصولية والاضمحلال. هو يؤمن أن تلاشيها ممكن كما تلاشى مصطلح الاصطفاء الطبيعي سابقاً.

يعتبر معلوف أن المهاجر هو الضحية الأولى للهوية العشائرية، فهو منقسم بين الحكم عليه بأنه خائن لوطنه الأصلي أو البديل. إن الاستجابة الغريزية عند المهاجر بحسب معلوف ليست استعراض الاختلاف عن أبناء الوطن الجديد بل عدم التمايز عنهم، وعندما لا يتحقق له ذلك تصبح ردة فعله التشدد في الاختلاف عن الآخر ليصبح أكثر اختلافاً مما هو عليه في الواقع. وهنا يأتي على ذكر “التبادلية” بصفتها الحل الأفضل للمهاجر.

ما يميز ملامح هوية معلوف الأدبية السرد التاريخي والإسقاط على الواقع، الأمر الذي تجلى واضحاً في فصله الثاني “عندما تأتي الحداثة من الآخر”، حيث يحاول معلوف الإجابة عن أسئلة ابتدأ فصله هذا بها تنحصر في توضيح فكرة التطرف الديني، وكيف أن ما ارتكب من فظائع بسبب التطرف الديني في القرن العشرين لم يرقَ  إلى ما ارتكب من طغيان واضطهاد وخنق للحريات والكرامة الإنسانية بأشكالٍ أخرى من التطرف كانت مناهضة تماماً للدين، كالستالينية مثلاً، أو تتجاهل الدين تماماً، كالنازية وبعض العقائد القومية الأخرى. ومن جهة أخرى لم يصل أي دين لدرجة التسامح التي تميز بها الإسلام. ويرى صفة التسامح التي كانت موجودة في الدين الإسلامي سابقاً، بينما توجد الآن بالدين المسيحي مع انقلاب ميزان القوى الأخلاقي خلال المئة عام المنصرمة، ماهو إلا نتيجة للاضطهاد الذي يعيشه العالم الإسلامي الآن، ويخلص من ذلك إلى نتيجة هامة ألا وهي أن التطرف الديني يتم من خلال متبعي الدين لا من خلال الدين نفسه.

أما عن الحداثة القادمة من الغرب (بغض النظر عن اختلاف المؤرخين بأن تكون هذه الحداثة بفضل المسيحية أو رغماً عنها) فلقد أصبحت مهمينة بطبيعة الحال، ويختلف استقبال هذه الحداثة بين من ولد في كنف حضارة متفوقة، فهؤلاء سيتأقلمون ويتقدمون في حياتهم دون أن تتأثر هويتهم، وبين الذين ولدوا في كنف حضارات مهزومة على يد الغرب الذي أتت منه الحداثة، ليصبح معنى هذه الأخيرة بالنسبة لهم التخلي عن جزء مهم من كيانهم، وشعور دائمٌ بالمذلة والمرارة والتنكر للذات، بمعنى آخر أزمة هوية عميقة، لأن الحداثة من وجهة نظرهم حملت بصمة الآخر المُسبّب بالاضطهاد.

يبدأ معلوف فصله الثالث “زمن القبائل الكونية” بسؤال: لماذا أصبح المُكوَّن الديني أهم عناصر مكونات الهوية لدى الرجال والنساء؟ ويحاول الإجابة عنه من خلال تحديد أسبابه:

أولاً: انتهاء العالم الشيوعي والدور الذي كان يلعبه في محاولة طمس فكرة الدين.
ثانياً: أزمات البطالة والفقر والتشرد والفساد والتي لم يستطع العالم حتى الآن إيجاد حلول لها.

وأخيراً: العولمة، حيث يذكر هنا نظرية المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي عن الحقب التي مرّت بها البشرية وبأن المجتمعات في عصر العولمة أصبحت أقل تمايزاً بسبب اتساع الانتشار وسرعته، ما خلق جواً من القلق الوجودي لدى هذه المجتمعات. هذه الأسباب ولدت حاجتين أساسيتين: الحاجة لتأكيد الهوية والحاجة الروحية، لذلك كان الدين هو السبيل الأفضل لأنه استطاع تلبية هاتين الحاجتين معاً.

وهو إذ لا يحلم بعالم لا مكان فيه للدين بل بعالم تنفصل فيه الحاجة الروحانية عن الحاجة للانتماء يتسائل معلوف: بم يسعنا اليوم استبدال الانتماء إلى جماعةٍ من المؤمنين؟ و يجيب عن تساؤله: بأن البديل هو الانتماء إلى الإنسانية. ويعول الكاتب على العولمة أيضاً وعلى أن وسائل الاتصال الجديدة قد هيأت مناخاً مناسباً للتعبير عن اختلافاتنا وعن جوانب الشبه بيننا، وأنه قد آن الأوان لدخول الهوية والانتماء في مرحلة جديدة من النضج متمثلةً بما سمَّاه “الانتماء الإنساني”.

 يوضح الكاتب في هذا الفصل أننا أبناء عصرنا، فيذكر نوعين من الإرث، الإرث الأفقي مع الأجداد والعامودي مع أبناء الجيل الواحد وكيف أننا نتشارك مع من حولنا أشياء أكثر مما نتشارك مع أجدادنا. ما يخلق حاجة ملحة لتدارك الهوّة بين ما نحن وبين ما نعتقد أننا نكون.

بعد أن يكون قد خلص لنتيجة مهمة في الفصل السابق مفادها أننا نعيش في عصر الأفراد لا في عصر الجموع، يبدأ الكاتب في الفصل الرابع “كيف نُروّضُ الفهدَ” بتقديم رؤيته لحلول ممكنة أكثر مما يحاول فقط عرض أزمات الهوية والإضاءة عليها، ويؤكد هنا أن الهوية هي مسألة مظاهر. هذه المظاهر يجب أن نتعامل معها بحذر فلا نعالجها بالإضطهاد أو التغييب أو التقوقع، لأن إشباع الحاجة الانتمائية ضرورة لابد منها، ولا يتم ذلك إلا من خلال التأكيد على التنوع الخاص لكل فرد، وتحويل الانتماء دون إجحاف به إلى لغة تتلاقى مع الآخرين، فيصل الإنسان إلى حد “المواطن الكامل” كما يقول، ويستطيع بذلك ترويض وحش الهوية الانتمائية “الفهد”.

يؤكد معلوف في خاتمة الكتاب أن أساس حل مشكلة الهوية المعقدة والانتماء هو التماهي مع الآخر والبلد الذي نعيش فيه واعتبار الهوية حصيلة لانتماءات متعددة بدل حصرها في انتماء واحد. ويجب على أولئك الذين يعيشون في بلادٍ مختلفة لا تتطابق وهويتهم الأصلية أن لا يعتبروا هويتهم مرضاً يجب إخفائه، ولا يتعاملوا معها عبر محاولة تمزيقها. نحن لا نستطيع المطالبة بالمساواة بين انتماءات بلد معين من حيث الأهمية، بل ما يجب التأكيد عليه هو شرعية الأساليب المتنوعة. ويحلم الكاتب أن تصل منطقة الشرق الأوسط إلى هذه الأساليب المتنوعة المشتركة دون فصل أو تأكيد على أحد عناصر الهوية فقط.

انطلاقاً من حُلُمِ معلوف استعرض هنا احصائياتٍ للمفوضيّة العليا لشؤون اللاجئين، إذ تجاوز عدد النازحين عام 2018 جراء الحروب والاضطهاد والصراع حول العالم 70 مليوناً، وهو العدد الأكبر الذي تسجله المفوضية على مدى نحو 70 عاماً. وبحسب ذات المصدر زاد عدد المشردين قسرياً حول العالم بنحو 2.3 مليون مقارنة بالعام الماضي ليصل إجمالي العدد إلى نحو 70.8 مليون مشرد. والآن، إن كان نصف هؤلاء يعاني من أزمة هويّة وانتماء جرّاء ماتعرض له فنحن حقيقةً أمام كارثة قد تودي بحياة الآلاف.

الهويّاتُ القاتلةُ ليس مجردُ كِتابٍ، بل نبوءةٌ سوداءٌ إن لم نعِ حجم الكارثة، وبداية الحلِّ إن وعينا.

اترك رد